سنابل العزة

الخميس، 20 أبريل، 2017

عوامل الفناء : تدمير اللغة

قبل الغروب


157 - عوامل الفناء : تدمير اللغة
       في اللغة – أي لغة – وسيلة التعبير عن المعاني بين أفراد الأمة ، و فيها مستودع حضارتها ، وتاريخها ، ووسيلة التطور لعلومها ، و منها يأتي التقدم لأفرادها ، لذلك فكل أمة تحافظ علي لغتها ، فإنها في الوقت نفسه تحافظ علي بقائها ، و علي هويتها بين الأمم .




اللغة العربية :
  من أجلُ أفضل أعمال الأزهر هو الحفاظ علي اللغة العربية منذ عام  411 هـ إلي الآن ، بصرف النظر عن سيطرة الشيعة و السنة عليه فترات متباينة فكان شيعيا فترة من فترت التاريخ الإسلامي ، ثم تحول علي يدي القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي إلي تدريس السنة ، و اعتناق مذاهبها  ، ومع ذلك بقي إلي الآن حصنا حصينا للغة العربية ، و العلوم المتعلقة بها ، و قد يري البعض ، أن هذه مسألة نظرية بحته ،     و لكن عند نهاية هذا المقال سيعلم أن الأزهر بحفاظه علي اللغة العربية كان يقف علي ثغر كبير من ثغور الإسلام مدافعا ، و منافحا عن الدين الإسلامي ، و عن و جود الأمتين العربية و الإسلامية ، و الذي ساعد الأزهر علي ذلك هو وجود القرآن الكريم باللغة العربية ، فكان حب الأزاهرة للغة العربية يتوازى ، و يتقارب مع حبهم للقرآن الكريم .
و عندما فشلت الحروب الصليبية في القضاء علي الإسلام كدين ، من خلال القضاء علي أمة الإسلام بدأ ينشط في الغرب نوع من الفكر يتمحور حول هذا السؤال : لماذا لا نهزم الأمة الإسلامية عن طريق  إضعاف  تمسك أفرادها بالدين ، و إضعاف لغتها العربية ؟ و ظل هذا الموضوع هو حلم أعداء الإسلام حتى الآن ، و لكن في العصر الحديث ، و بعد تطور العلوم ، ووسائل الاتصال أصبح أعداء الإسلام في غير حاجة إلي إرسال من يضعف الدين ، و يُميت اللغة العربية لغة القرآن ، و بدأ العمل من عدة جهات نجملها فيما يلي :
1-   التدخل في صناعة أفلام السينما التي تعرض في مصر ، ثم تنتقل إلي العالم العربي بعد ذلك ، و من يقرأ أسماء صناع السينما في مصر في بداية القرن الماضي ، و حتى عام 1990م يجد أن الكثرة منهم أجانب ، خاصة من يقومون بالصناعة نفسها مثل المخرج ، و المنتج ، و المصور ، و هكذا ، و في هذه المرحلة تم استبدال تحية الإسلام المباركة التي تملأ البيوت خيرا و بركة  بمجرد نطقها ، تم استبدالها بتحايا انجليزية ، و فرنسية و الجميع يعرف ذلك .
2-   بعد فترة من هذا التاريخ ، و مع سيطرة أمريكا علي العالم ، بدأت التحايا تكون أمريكية فبدلا من قول الرجل لزوجته عندما يدخل إلي بيته : السلام عليكم ، بدأ في السينما ، و المسلسلات يقول لها : هاي ، و عندما يغادر المنزل يقول لها : باي ، و بدأت كلمات كثيرة تتسرب بين العامة ، و المثقفين بدافع الدونية ، و الدونية لمن لا يعرف عقدة نفسية تصيب الشعوب  المغلوبة ، و تجعلها تقلد الغالب في كل شيء ، و أول من أشار إلي هذه العقدة هو العلامة ابن خلدون حين قال في مقدمته المعروفة : [ أعلم أن المغلوب يقلد الغالب في ملته و نحلته ، و لغته ، و طعامه و شرابه ، و ملبسه ، و كل ما ينقل إليه من قبل غالبه ] ، و هذه العقدة تطيح الآن برؤوس العرب في كل مكان ، و لعل خروج وزير التعليم السابق و اللاحق علينا  في مصر بحل مشكلة الثانوية العامة ، عن طريق امتحان الطلاب بنظام " البوكليت " و انتشرت الكلمة بين الناس  ولاكها الإعلام ليل نهار حتى أصبحت مقررة في وجدان المصريين جميعا ، و كان الوزير لا يستحي من عقد مؤتمرا صحافيا للحديث عن            " البوكليت " ، و الغريب أن الصحفيين لم يسأل واحد منهم عن معنى كلمة    " البوكليت "  ، و انسحبت الدونية علي الجميع ، و عاشوا في كهف            " البوكليت " ، و كان الوزير لضعف عقله ، و ضحالة ثقافته سعيدا جدا بهذا الاكتشاف الخطير ، و الكلمة في لغتها الانجليزية معناها كراسة الامتحانات ، فما الذي جعلها " بوكليت" غير الدونية ، و ضحالة الفكر ، و نقصان العقل ،  و الفضيحة الكبرى أن ذلك يصدر عن وزارة التعليم في أكبر دولة عربية ،  فماذا يفعل العرب الأخرون ؟
3-   في مواقع التواصل الاجتماعي ، و بتحريض من أعداء الإسلام ، بدأت تظهر لغة ، و تنتشر بين الشباب ، و هي لغة [ الفرانكوآراب ] ، و هي عبارة عن كتابة اللغة العربية بحروف لاتينية ، و هذا مِعْول هدم شديد ، و لكن الشباب يفعلونه بدافع النقص ، و العجز ، و الدونية .
4-   في معظم الدول العربية تجد المحلات كلها بأسماء انجليزية و المنتجات كذلك ، و في بعض الدول باع التجار لحوم الكلاب ، و القطط ، والحمير ، و تذوقها الناس ، و كانت لذيذة جدا ، لأن اسم المنتج باللغة الانجليزية ، و قد حاولت في أحد ميادين القاهرة أن أعثر علي محل واحد اسمه بالعربي ، فلم أستطع ، حتى المكتوب بالعربي هو تعريف لاسم انجليزي .
5-    في مصر ، و الدول العربية مدارس ، و معاهد ، و جامعات أجنبية ، تعلم العلم مقابل مبالغ كبيرة ، و الناس يرسلون أبناءهم إليها بعدة دوافع منها أن التعليم فيها أفضل ، و منها أيضا التعالي علي أبناء الوطن الآخرين الذين      لا يملكون المبالغ التي يرسلون بها أبناءهم إلي هذه المؤسسات الأجنبية ، و قد انتشر نظام التعليم الأجنبي في العالم العربي بسبب التخلف ، و عقدة الدونية ، و يجب أن يعرف الجميع أن اللغة الأجنبية تقف عند حد الدلالة ،  و لا يمكن لها حمل المعاني التي تتمتع بها اللغة الأصلية ، و هذا قانون يشمل لغات العالم أجمع ، و لذلك فكل بلد من البلاد المتقدمة تدرس علومها بلغتها ،   و تنقل العلوم الأخرى إليها عن طريق الترجمة ، و قد حاولت الجمهورية العربية السورية تدريس العلوم باللغة العربية مثل الطب و الهندسة ، و نجحت نجاحا كبيرا في هذا المجال ، و لعل ذلك كان سببا من أسباب تدمير سوريا  بجانب الحفاظ علي بقاء إسرائيل ، و توسعها  في باقي الدول العربية .                                 إن لغة أي شعب تحتفظ بأسرار علومه ، و هويته ، و ماهيته ، و كل خطوة نبتعد فيها عن لغتنا فإننا بنفس المسافة نقترب من الفناء .
بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم
ا . د . محمد أبو زيد الفقي
24رجب 1438هـ ، 20 أبريل 2017م



الأحد، 26 فبراير، 2017

أيامي - عودة الشيخ جاد الحق ( الزاهد )

- أيامي – عودة الشيخ جاد الحق ( 5 ) الزاهد
د . محمد أبو زيد الفقى :

  في إحدى زياراتي الأسبوعية لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق :
قال لي : لقد قمت بإنشاء مركز إسلامي في قريتي بطرة شمال مدينة المنصورة طريق المنصورة  دمياط  ، و انفقت عليه كل ما كان معي من مال ، ولكن المركز محتاج إلي بعض التشطيبات ، و الفرش ، فهل تستطيع مساعدتي في هذا الموضوع ؟
 قلت : يا مولانا أساعدك بعمري ، و سوف  أذهب غدا إلي هناك للمعاينة ، وعمل مقايسة  و سوف أعرض الأمر علي الأستاذ محمد رجب ، وهو لا يدخر وسعا في عمل كل ما يرضيك .

ذهبت إلي بطرة مسقط رأس الشيخ ، وعاينت المركز الإسلامي ، فوجدته عملاقا يحاكي خمسة أدوار ، به دار مناسبات ، ومسجد ، ومستوصف ، و ورش لتعليم الحرف للشباب ، وحاولت بالاستعانة  بمهندس كريم – قريب الشيخ – حصر المطلوب للمركز علي وجه السرعة ، و بعد الجمع و الطرح ، اتضح أن المبلغ المطلوب هو مائة و ثمانون ألف جنيه ، و كان هذا المبلغ في ذاك الوقت ينجز أعمالا كثيرة .
     بعد العودة من بطرة أرسلت رسالة للأستاذ محمد رجب للتكرم بصرف  هذا المبلغ  ، و قام الرجل علي الفور بتوقيع الشيك ، و إرساله لي ، وكلمت مكتب الشيخ أسأل عنه حتي  أسلم  له الشيك  ، فقالوا لي : أنه سافر إلي السعودية  لحضور حفل توزيع جائزة الملك فيصل لأنها كانت من نصيب الشيخ هذا العام ، فانتظرت حتى عاد الشيخ ، و ذهبت إليه للتهنئة بهذا التكريم ، وبعد وقت قليل ، و كنا  بمفردنا في المكتب أخرجت الشيك من جيبي  و أعطيته للشيخ .
 فقال لي : رد الشيك إلي صاحبه ، و قدم له نيابة عني خالص الشكر ، و الامتنان ، لقد أغنانا الله ، و أعطاني مالا كثيرا ، و سأنفقه كله علي هذا المركز ، وبالفعل تم    له ما أراد ، و أنفق جل المبلغ علي المركز الإسلامي ببطرة ، و هو يعمل الآن علي أحسن ما يكون ، لقد كان الشيخ من زهاد زمنه ، و لم يكن له نظير في زهده  ،              و طهارته ، ونقاء سريرته ، لقد أنفق ماله ، وجهده طيلة حياته في سبيل الله .
ولما تولي مشيخة الأزهر جعلها تفوح مسكا ، وعطرا  من طهارته ، و إخلاصه .
 بعد أيام من لقائنا طلبني علي الهاتف ، و سمعت صوته على الجانب الأخر ، وقبل أن يأمرني بما يريد  ، قال لي : هل ترى في صوتي شيئا غريبا ؟
 قلت : لا  أسمع شيئا غريبا .
 قال : لا تجاملني .
 قلت : ماذا حدث يا مولانا ؟
 قال : لدي مرض في رأسي في المخ  ، و ربما تكون نهايتي بسببه  ، و لكني فكرت قبل الموت أن أطلب منك بناء معهد في قرية ( كذا .. )  لأن أهلها فقراء ، و يحبون الأزهر حبا عظيما .
قلت : سأفعل ما تأمرني به ، و سوف آتي لزيارتك قبل الموعد المحدد لأقف علي هذا الأمر . و بالفعل ذهبت للشيخ ، و صرح لي بأنه يعاني من مرض خطير بالمخ ، ولا علاج  له .
قلت : يا مولانا ، و كيف تأتي إلي المكتب ، و أنت في هذه الحالة ؟
قال : أريد أن انفق كل لحظة باقية في حياتي في سبيل الأزهر الشريف . و بعد هذا اللقاء بأسبوعين هاتفني الشيخ .
 قال لي : أريد أن أراك سريعا .
قلت : في الغد بإذن الله تعالى ، وفي الغد سألت عنه في المكتب فقالوا لي إنه لم يحضر اليوم ، و أرسلنا إليه الأوراق لتوقيعها في البيت ، و في اليوم التالي علمت أنه جاءته أزمة صحية في الليل ، و نقلوه إلي المشفى ليلا ، و في التاسعة صباحا فارق دنيانا الضيقة إلي ربه سبحانه و تعالى . شعرت بأمرين يتنازعان قلبي          و يعتصرانه .
الأول : أني أدركت أن الشيخ كان يريد رؤيتي في البيت لا في المكتب كما ظننت ،     و قد ضاعت علي َّهذه الفرصة ، و لن ألتقي به  إلا في الدار الآخرة ، و حزنت حزنا عظيما آلم قلبي ، و عقلي .
 الثاني : أنه بموت هذا الرجل قد غابت شمس الأزهر ، و حل علينا ليل بهيم ، و فكر سقيم ، و ظلم عميم ، و آلمني كثيرا أنه لم يُقدَّر كما ينبغي ، ولم يصبح مثلا أعلي في الزهد ، و الطهارة ، و الإدارة ، و لم يفهم الدهماء ، و السوقة ، و السابلة الفرق بين الجواهر ، و الأحجار التي تحيط بها داخل الكنوز الكبيرة .
بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم


الأحد، 5 فبراير، 2017

أيامي : عودة الشيخ جاد الحق ( 4 ) الاجتهاد و تنقية التراث





قبل الغروب
عوامل السقوط

154- أيامي : عودة الشيخ جاد الحق  ( 4 ) الاجتهاد و تنقية التراث


      في زيارة من زياراتي لفضيلة الشيخ جاد الحق الإمام الأكبر :
  قال لي : إن كتب الدراسة في المعاهد الأزهرية ، تحتاج إلي تجديد ، و تعديل ،  و تنقية مما علق بها عبر السنين الطوال .
قلت : يا مولانا كنت أذاكر لابني في كتاب الصف الأول الإعدادي الأزهري في الفقه الشافعي ، فوجدت أخطاء كثيرة ، منها ما لا يصح أن ينسب للإمام الشافعي .
قال لي : أرجو أن تسجِّل ما تجده في مذكرة ، و تعرضها علي .
قلت له : سأفعل بإذن الله تعالي ، و بدأت بكتابة الأخطاء الموجودة في الكتاب  فوجدت أن فيه ( 360 )  خطأ في ( 95 ) صفحة منها (60 ) خطأ في نفس المذهب ، و الباقي أخطاء إملائية ، وفي الآيات،    و الأحاديث ، بخلاف الأخطاء النحوية ، ، و الصرفية ، و بعد انتهاء هذا العمل ذهبت للإمام .
و قلت له : هذا ما استطعت أن أصل إليه ، فأصدر قرار بتشكيل لجنة لإعادة طباعة الكتاب ، و أعطى اللجنة مهلة ثلاثة أشهر .
·       وفي يوم من الأيام ذهبت إليه في موعدي الأسبوعي ، و دخلت مكتب المدير ، لحاجة لي ،فأعطاني نسخة من الكتاب ، مكتوب عليها بخط الشيخ : أنها تخصني ، فحاولت الاطلاع علي النسخة قبل الدخول إلي الشيخ ، و لكني فوجئت أن الكتاب لم يتغير منه شيء علي الاطلاق ، و عندما دخلت عند الشيخ وجدت مجموعة من المشايخ يتحلِّقون حول مكتبه ،  و بعد أن سلمت عليه ، و عليهم ، و جلست بعيدا عنهم بعض الشيء .
 قال لي : هل قرأت الكتاب الذي تركته لك عند المدير ؟
قلت : يا مولانا قرأته ووجدت أن هؤلاء الناس خدعوك ، و لم يغيروا شيئا ، و لم يصلحوا شيئا .       و أعطيته نسخة من الكتاب القديم و أخرى من الجديد ، و التقرير ، وظل الإمام  الأكبر يقرأ ، و يقارن لمدة نصف ساعة ، ووجد أن ما ذكرته له حقا .
قال للجنة : لماذا فعلتم ذلك ؟
قالوا يا مولانا : إننا لا نستطيع أن نغير شيئا من كتب أسيادنا العلماء .
قال : حتى لو كان خطأ .
قالوا : الخطأ عندهم صواب عندنا ، فأشر علي استمارة المكافأة التي قدموها له ، بالإحالة إلي التحقيق ، و خصم المكافأة ، من هؤلاء الغشاشين .
 ثم قام فضيلته بتشكيل لجنة جديدة لمراجعة الكتاب
 و قال لي : سأرسل لك نسخة من الطبعة الجديدة ، و عليك قراءتها جيدا ، و تقديم تقرير آخر عنها .
·       مضت ثلاثة أشهر من هذا التاريخ ، و ذهبت للشيخ فأخبرني أنه قد تم طبع الكتاب ، و أعطاني نسخة منه ، ووجدت أن بها بعض التصويبات فطلبت منه مهلة لقراءته ، و بعد أسبوع ذهبت إليه ، و دخلت المكتب فوجدته جالسا مع د. عبد الفتاح الشيخ رئيس جامعة الأزهر وقتها ، فسلمت عليهما ، و جلست
قال الشيخ : هل قرأت النسخة الجديدة ؟
 قلت نعم قرأتها .
قال: وماذا وجدت فيها ؟
قلت : اللجنة الكريمة صححت كل الأخطاء الإملائية ، و النحوية ،و في الآيات ، و الأحاديث ، و لكنها لم تصحح الأخطاء الفقهية ، و هي الأهم من وجهت نظري .
قال الدكتور عبد الفتاح الشيخ :- و كان والده أحد الثلاثة الذين ألفَّوا هذا الكتاب ـــ  أنت يا دكتور تريد أن تستدرك علي علماء كبار من أمثال أبي و زملائه ؟
قلت : أنا لا أستدرك علي العلماء ، ولا أعيب أحدا منهم أبدا ، و كل ما قمت به ينصبُّ على ما كتب في الكتاب دون النظر إلي المؤلف أو المؤلفين الذين كتبوه .
 قال الشيخ : يا شيخ محمد استمر في نقد أي كتاب ترى فيه أخطاء ، و قدم لي تقريرا عنه ، و سوف أعمل علي إصلاحه ، إننا إذا لم نصحح كتبنا ، و ننقيها مما علق بها ، سيأتي زمن يقوم غيرنا  ،       و يستدرك علينا ، و يتهمنا بالجهل ، و التخلف .
     و بعد أسبوعين فارقنا إلي ربه قبل أن ينجز ما كان يحلم به من تنقية التراث ، و جعل القرآن حاكما علي السنة ، و الفقه ، و اللغة ، و كل ما يتعلق بالإسلام .
  رحم الله فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمة واسعة ، و أنزله مقاما محمودا ، فقد كان عالما ورعا ، يحب الأزهر من أعماق قلبه ، و أوقف له كل دقة في قلبه ،      و كل نبضة في عروقه ، و لا أبالغ لو قلت : إنه بغياب هذا العالم الجليل عن الدنيا ، غابت شمس الأزهر ، و أصبحنا ننتظر شروقها ، حتى تحجرت الدماء في العروق ، و تجمدت الدموع في المآقي ،   و كل يوم نحزن فيه على الشيخ جاد الحق نحزن فيه على الأزهر ، وما حدث له .
بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم
ا . د / محمد أبو زيد الفقي
8 جماد الأولى  1438هــ ، 5 فبراير 2017م
www.sanabelalezaa.com   الموقع الالكتروني
Dr. MoHaMMeDAboZeeDAlfeQy   صفحة الفيس بوك


 http://www.sanabelalezaa.com/%d8%a3%d9%8a%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%ac%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82-4-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%87%d8%a7%d8%af-%d9%88/

الأحد، 11 ديسمبر، 2016

أيامي : عودة الشيخ جاد الحق




قبل الغروب
عوامل السقوط

151- أيامي : عودة الشيخ جاد الحق ( 1 )
 
     في مكتبي في كلية أصول الدين بطنطا ،جاءني وفد من قرية بلقاس خامس ( دير القديسة جميانة ) مركز بلقاس ، محافظة الدقهلية ، هذه القرية تبعد أربعين كيلو متر عن مدينة المنصورة شمالا ، وتقع علي طريق مدينة جمصة علي البحر الأبيض المتوسط ، و بها كنيسة دير القديسة جميانة ، و أهلها خليط من المسلمين   و المسيحيين ، و لكنهم في سلام ووئام ،      و كل منهما يعرف ماله و ما عليه .
جاء وفد القرية ، و عرض عليَّ القيام ببناء معهد إعدادي ثانوي للبنين ، ضمن مشروع المعاهد التي يمولها ، و ينفق عليها رجل الأعمال السكندري الأستاذ / محمد رجب ، و أقوم أنا بالإشراف  علي التنفيذ ، و علي كل ما يتعلق بهذه المعاهد ، حتى يتم افتتاحها ، و تشغيلها .
انصرف الوفد من عندي ، و بعد أيام حصلت علي الموافقة ، بعد زيارة القرية و دراسة كل الظروف الخاصة بهذا الموضوع .
   بدأنا في بناء المعهد الإعدادي الثانوي للبنين ، و في يوم من الأيام ، و أنا أجلس مع رئيس الوحدة المحلية للقرية قال لي : إننا لسنا في حاجة إلي مزرعة الدواجن المجاورة لمعهد البنين ، فلماذا لا تأخذها و تطورها و تجعلها معهدا للفتيات .
راقت لى الفكرة قلت : ولماذا ؟ و بعدها بأيام كنا نعمل في تأهيل المزرعة التي أصبحت بعد ذلك معهدا إعدادي ثانوي للفتيات ، إذن بعد عام سيكون لدينا أربعة معاهد في قرية كانت محرومة من المعاهد ، ولا يوجد بها إلا المعهد الابتدائي .
   بعد انتهاء العمل قمنا بعمل الافتتاح ، و دعونا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق ، بالإضافة إلي الأستاذ محمد رجب و أصدقائه من رجال الأعمال ، و من الجانب المسيحي دعونا ، الأنبا أبشوي  و معه مجموعة من القساوسة ، و ذهبنا إلي القرية في يوم الاحتفال ، ونزلنا على الطريق العام – المنصورة – جمصه – و صمم أهل القرية أن يركب الأستاذ / محمد رجب عربة مكشوفة تجرها الخيل ، وركبت بجواره ، و رأيت فرحة في عيون الناس لم أر مثلها في حياتي ، بالإضافة إلي الإنشاد الديني ، و الهتافات ، و مكبرات الصوت التي تذيع أغنية مصر تتحدث عن نفسها ، و عندما اخترق الموكب الشارع الذي يتوسط القرية كنا نسمع الزغاريد من النساء المسلمات و المسيحيات  علي السواء ، و كنا نرى الفرحة في عيون الجميع .
 عندما بدأ الحفل بآيات القرآن الكريم ، حضر الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق ، و كنت أراه عن قرب لأول مرة ، رجل تسبقه مهابة حقيقية ، و نوره يسعي بين يديه ، بدأ الحفل بكلمة من رئيس الوحدة المحلية بالقرية ، ثم كلمة رئيس مجلس مدينة  بلقاس ، ثم كلمة السيد المحافظ  ، و كان رجلا محترما ، ثم كلمة الأنبا أبشوي ، و قد اختار كلماته بذكاء وعناية ، ثم تحدث الشيخ جاد الحق حديثا جميلا انتظره الجميع  ثم قام الضيوف بقص الشريط و تفقد البناء في المعهدين خاصة معهد البنين  و أعرب الشيخ جاد الحق عن فرحته أكثر من مرة ، و أدركت ساعتها أن هذا الرجل يذوب حبا في الإسلام ، و في الأزهر ، ثم قام الجميع بزيارة الدير و جلسوا في الدور الثاني [ مكون من سبعة أدوار ] ,  و ذهبت أنا مع جماعة من الضيوف طلبوا مشاهدة الكنيسة الأثرية في هذه القرية ، ثم انضممنا بعد ذلك إلي الضيوف الموجودين في الطابق الثاني في الدير ، قام المسئولون عن الدير بالترحيب بنا و بالإمام الأكبر بطريقة فاخرة ، و حضر جمع من الفتيات الراهبات ، لتوزيع الحلوى و المشروبات  و تبادلت الحديث مع أصدقائي من القساوسة ، الذين كونت معهم صداقة أثناء العمل ، و كانوا يساعدوننا ، و لم يقفوا في وجهنا ،           أو يعرقلون العمل لنا في يوم من الأيام ، و كان هذا اليوم يوما عظيما في حب الوطن  .
    بعد انتهاء العمل في الدير ذهب الضيوف برفقة المحافظ لتناول الغداء في فندق مارشال علي النيل في مدينة المنصورة ، و بعد انتهاء الغداء جاءت لحظة الوداع , و جاء الأستاذ محمد رجب ،  و أصدقاؤه للسلام علي فضيلة الإمام الشيخ جاد الحق ووداعه  ، و لكنه قبل أن ينصرف قبَّل الأستاذ محمد رجب وشكره ، و قال له : الأزهر في حاجة ماسة إلي رجال من أمثالك ، فقال له الأستاذ محمد رجب : أنا و ما أملك تحت أمرك ، و لكن لي شرط أن يقوم الدكتور محمد أبو زيد الفقي بالإشراف على العمل و التنفيذ ، فضمني الشيخ إليه و قبل رأسي ، وقال له : محمد أبو زيد الفقى ابني و لن يخالف لي أمرا .
فقلت أمام الجميع : هذا يشرفني     و يُّعلي من قدري ، فأخذني الشيخ بعيدا عنهم ،
و قال لي : متى تنزل القاهرة ؟
قلت : عندما يكون لي عمل فيها .
 فقال لي : أنا أريد أن تخصص يوما لي كل أسبوع تجلس في مكتبي ، و أقضي لك كل شيء في إدارة الأزهر .
قلت : و إن لم يكن لي شيء ؟
قال : تأتي و تجلس أمامي يا شيخ محمد أنا أحببتك عندما رأيت عملك و إخلاصك للإسلام        و للأزهر ، ووجودك في مكتبي يريحني .
 هذا الحب الهائل من الشيخ جاد الحق لي بسبب المعاهد و بنائها ، انقلب إلي كره لي ، ومعاكسة ، و مشاكسة بعد أن وُسِّدَ الأمر إلي غير أهله . و أصبح المغمور مشهور ، و المخلص مقهور .
 و إلي اللقاء في يوم أخر من أيام الإمام الأخير الشيخ جاد الحق علي جاد الحق .
 " مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم     مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا "   الآية 23 سورة الأحزاب

ا . د / محمد أبو زيد الفقي
11ربيع الأول  1438هــ ، 10 ديسمبر  2016م
www.sanabelalezaa.com   الموقع الالكتروني
Dr. MoHaMMeDAboZeeDAlfeQy   صفحة الفيس بوك



الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

الأهداف الغربية - و الغفلة العربية


  #سنابل_العزة  
 #قبل_الغروب
 149 الوليجة  [ اتخاذ بطانة من الأعداء ] ـــ  الأهداف الغربية  - و الغفلة العربية  :
     لقد أعلن كل المستنرين في العالم العربي و الإسلامي : إن الحرب الصليبية علي الإسلام  لم تنته بعد ، و قوبلوا بالرفض لقولهم ، و التسفيه لآرائهم  ، و رجم أحلامهم  ، و كانت هذه المعارضة ، من سكان الكهوف ، أصحاب القلب المتلوف علي المناصب ، و الملهوف علي المال  ، و هؤلاء يسمُّون بالعلماء ، و مافي عروقهم دماء ، بالإضافة حكام عملاء  لا يهمهم إلا يومهم ، و مناصبهم  ، و عطايا أهلهم وذويهم ، و بسط نفوذهم  في وسط بحيرة  ممزوجة من العرق     و الدماء .


   و جاءت كلمة الرئيس  الأمريكي أوباما   ، لتعلن الاحتقار لكل مسلم ، و كشف أسرار كل حاكم ، و جاءت كلماته واضحة  وضوح الشمس  في ضحاها  ، و تضع النقط علي الحروف ،        و تصفع كل مخمور و مخلوف  .
  بدأ كلمة وداع البيت الأسود  ، بذكر المزايا الاقتصادية  التي قام بها  ، و جلبت الخير للأمة الأمريكية  العظيمة [ في زعمه ]  . ثم تحدث عما أحدثه في العالم العربي من خراب ،           و سألخص هذه الكلمة  في نقاط كما يلي .
قال : إنني قمت باتمام ما بدأه الرئيس جورج بوش  الابن ، بعد فتحه للعراق  و اتممت القضاء علي وحدة العراق ، و إضعاف أهل السنة فيه ، ذلك لأن العراق  بلد ظالم و قد قام بتعذيب اليهود في الأسر البابلي .
ــ المناقشة : الأسر البابلي تم عام 70 ق م منذ ما يقرب من ألفي عام بالتحديد 1946 عاما ، و ما زال اليهود يتذكرون ، و يخطِّطون  للأخذ بثأرهم  من الشعب العراقي ، و لما احتل الأمريكان العراق ، طلب  اليهود من القوات الأمريكية ، أسر مجموعة من النساء   و سجنهم في سجن أبو غريب ، و ربط كل عشرة نساء  في وتد ، و تعريتهم  من الملابس  ، و تصويرهم ، و قد  شاهد العالم كله هذه الصور علي شبكة التواصل  الاجتماعي  ، و اعتذار الأمريكان  بأن ذلك تصرف حدث من مجنَّدة ، و سرعان ما انتقلت الصور إلي إسرائيل  ، و تم تكبيرها ، و تجميلها ، ووضعها  في المعابد اليهودية ،       و كتبوا تحتها ، " لقد وفينا يا رب و أخذنا ثأرنا من نساء العراق " ، مثلما فعل بنا    بخت نصر  عام 70 ق م . أيها العرب هؤلاء الناس يتذكرون ثأرا حدث من ألفي عام ،    و نحن لا نتذكر  ماذا فعلنا ، أو ما فُعِل بنا  في اليوم السابق  علي يومنا ، و ما زال لدى اليهود ثأر كبير مستحق للوفاء  خاصة عند الحجاز ومصر ، و ربما أتحدّث  عن ذلك في مقال لاحق ، و قد قلت في احدى محاضراتي في ولاية نيوجيرسي ، عن العرب :           [ ويل لأمة لا تتذكَّر تحارب أمة لا تنسى  ] .
1-   قال أوباما : إننا استطعنا القضاء علي الربيع العربي ، و قمنا بوأد الديمقراطيات  الوليدة ، و اتفقنا مع إيران أن نترك لها المنطقة العربية ، لتبقي تحت سيطرتنا مدى الحياة ، لكي   لا تصبح خطرا علي إسرائيل ، لأن الحفاظ علي أمن إسرائيل ، و تفُّوقها  يعتبر جزءا من هويتنا الأمريكية ، و قد اتفقنا مع إيران بعد أن تأكدنا أنهم بعيدون عن الإسلام . أما حليفنا السعودي فإننا نعتبره  الآن مصدرا للإرهاب و الشرور في الكون كله .
ــ  المناقشة : يؤكد أوباما : إن لأمريكا دخل كبير في إفساد الثورات العربية ، و تحويل كثير من الدول العربية ، إلي دول فاشلة ، و أنهم اتفقوا مع إيران لتسليمها القيادة         و السيطرة علي العالم العربي ، و هو يدق اسفينا في العلاقة بين الأمة العربية  بسنيَّتها ، و الأمة الإيرانية بشيعتها ، و هو بذلك يحدد نهاية قريبة للمسلمين  بكل طوائفهم ، ليت السنة و الشيعة  و فرق الإسلام الكثيرة يفهمون هذه الحقائق  ـــ لو كانوا يعقلون ـــ      و اعتقد أنهم لن يفعلوا ذلك .
2-   انتقل أوباما من الحديث عن المسلمين  ، و ما أُعد لهم من خطط لفنائهم إلي الحديث عن الإسلام نفسه ، و بيان الحقد اللانهائي علي الإسلام من دول العرب ، فقال : إن مسألة تجديد الخطاب الديني ، أو التعلل بسوء الفهم للإسلام ، لم تعد تُقنع أحدا ، و علي المسلمين  تغيير  دينهم من الأساس ، و عقد مصالحة  بينهم و بين المعاصرة  ، كما فعلنا  نحن في الغرب منذ زمن طويل .
ـــ  المناقشة  : هذا هو الهدف النهائي للغرب ، أوروبا و أمريكا  ، و على بعض العرب من أدعياء العلم الذين لا يملكون إلا الجهل ، أن يعووا ذلك جيدا ، أما مسألة التحضُّر  ، و التعاون الدولي  ، و طلب المساعدة من الغرب  ، و سماع أقوال الذين  سافروا إليه ، و أعيدت صياغة عقولهم فيه ، فكل هذا خيال  ، و خبال ، و لن ينفعنا  إلا عملنا ، و انتاجنا ، و تعاوننا مع بعضنا البعض ، و تقوية جيوشنا ، و الحرص عليها .
  إن المستقبل يحمل لنا أخطارا كثيرة ، و أساس هذا كله بعدنا عن القرآن الكريم ، و عدم الفهم منه ، و استبداله بروايات أصحُّها مظنون ، وأضعفها مركوم .
  يقول الله تعالي في هذا الموضوع : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } سورة آل عمران الآية 100
 وهذا ما قال به أوباما وحدده كهدف نهائي  للحضارة الغربية تجاه الإسلام  .
 يقول الشاعر / محمد إقبال :
                               إذا الإيمان ضاع                       فلا أمان
                                ولا دنيا                               لمن لم يحي دينه
                              و من رضي الحياة بغير دين            فقد جعل الفناء له قرينا
                                     بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم
 ا . د / محمد أبو زيد الفقي
23 محرم 1438 هـ ، 24 أكتوبر 2016م

http://www.sanabelalezaa.com/5246-2/